ابن أبي الحديد

34

شرح نهج البلاغة

تصح أنه أعطاهم ذلك من بيت المال ، ولو صح ذلك لكان لا يمتنع أن يكون أعطاهم من بيت المال ليرد عوضه من ماله ، لان للامام عند الحاجة أن يفعل ذلك ، كما له أن يقرض غيره . وقال شيخنا أبو علي أيضا : إن ما روى من دفعه خمس إفريقية لما فتحت إلى مروان ، ليس بمحفوظ ولا منقول على وجه يجب قبوله ، وإنما يرويه من يقصد التشنيع . وقد قال الشيخ أبو الحسين الخياط : إن ابن أبي سرح لما غزا البحر ، ومعه مروان في الجيش ، ففتح الله عليهم ، وغنموا غنيمة عظيمة ، اشترى مروان من ابن أبي سرح الخمس بمائة ألف ، وأعطاه أكثرها ، ثم قدم على عثمان بشيرا بالفتح ، وقد كانت قلوب المسلمين تعلقت بأمر ذلك الجيش ، فرأى عثمان أن يهب له ما بقي عليه من المال ، وللامام فعل مثل ذلك ، ترغيبا في مثل هذه الأمور . قال : وهذا الصنع كان منه في السنة الأولى من إمامته ، ولم يبرأ أحد منه فيها ، فلا وجه للتعلق بذلك . وذكر أبو الحسين الخياط أيضا فيما أعطاه أقاربه أنه وصلهم لحاجتهم ، فلا يمتنع مثله في الامام إذا رآه صلاحا . وذكر في إقطاعه القطائع لبني أمية ، أن الأئمة قد تحصل في أيديهم الضياع لا مالك لها ، ويعلمون أنها لا بد فيها ممن يقوم بإصلاحها وعمارتها ، ويؤدى عنها ما يجب من الحق ، فله أن يصرف من ذلك إلى من يقوم به ، وله أيضا أن يهد بعضها على بعض بحسب ما يعلم من الصلاح والتألف ، وطريق ذلك الاجتهاد . * * * اعترض المرتضى رحمه الله تعالى هذا الكلام ، فقال : أما قوله : يجوز أن يكون إنما أعطاهم من ماله ، فالرواية بخلاف ذلك ، وقد صرح الرجل بأنه كان يعطى من بيت المال